الشيخ عبد الغني النابلسي

34

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

فأظهر أحكامه فإنه ، أي الرب تعالى على صورته سبحانه التي هي مجمع ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه والكل حضرات متعددة واعتبارات مترددة على حقيقة واحدة وعين منفردة خلقه ، أي خلق ذلك العارف كما قال صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » . وفي رواية : « على صورة الرحمن » « 2 » فالعارف تفصيل إجمال الغيب المطلق ، وتمييز حضرات الوجود المحقق بل هو ، أي الرب تعالى عين هويته ، أي هوية العارف به سبحانه وعين حقيقته الثابتة في الغيب ، ولهذا قال بعض العارفين : إن الصوفي غير مخلوق ونقل عن أبي يزيد أنه قال : إن اللّه اطلع على العالم فقال : يا أبا يزيد كلهم عبيدي غيرك فأخرجني من العبودية . وقال الشبلي رضي اللّه عنه حيث سمع ما قاله أبو يزيد رضي اللّه عنه : كاشفني الحق بأقل من ذلك فقال : كل الخلائق عبيدي غيرك ، فإنك أنا . ولكنه سبحانه ظهر في حضرة عالم الإمكان بصورة العارف لتكمل مراتب المعرفة بوجود عارف ومعروف ومعرفة ، ويظهر سر الوترية والتثليث ، ويرتبط الشفع الذي هو العارف والمعرفة ، والعابد والعبادة ونحو ذلك من حضرة الإمكان بالفرد الذي هو المعروف والمعبود ، وأمثال ذلك من حضرة الوجود ولهذا ، أي لأجل ما ذكر ما عثر ، أي طلع أحد من العلماء ، أي الموصوفين بمطلق العلم في ملة الإسلام والحكماء من الفلاسفة وغيرهم على معرفة النفس ، أي ما عرف أحد نفسه وحقيقتها فيلزم أن لا يكون عرف ربه إلا العلماء والحكماء الإلهيون ، أي المنسوبون إلى الإله تعالى من الرسل والأنبياء عليهم السلام والأكابر المحققين العارفين من الصوفية لا غير . * * * وأمّا أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء والمتكلّمين في كلامهم في النّفس وماهيّتها ، فما منهم من عثر على حقيقتها ولا يعطيها النظر الفكريّ أبدا . فمن طلب العلم بها من طريق النّظر الفكريّ فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم ، لا جرم أنّهم من الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب النهي عن ضرب الوجه ، حديث رقم ( 2612 ) [ 4 / 2017 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر الزجر عن قول المرء لأخيه قبح اللّه وجهك ، حديث رقم ( 5710 ) [ 13 / 18 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه الطبراني في الكبير ، برقم ( 13580 ) [ 12 / 430 ] وابن أبي عاصم في السنة ، برقم ( 517 ) [ 1 / 229 ] ورواه غيرهما .